ابن أبي الحديد
157
شرح نهج البلاغة
وقال شيخنا أبو القاسم وأبو الحسين وأصحابهما : إن معنى كونه تعالى مدركا ، هو أنه عالم بالمدركات ، ولا صفة له زائدة على صفته بكونه عالما ، وهذا البحث مشروع في كتبي الكلامية لتقرير الطريقين و ، ، شرح الغرر ، ، وغيرهما . والقول في شرح قوله : ( وكل بصير غيره يعمى عن خفى الألوان ، ولطيف الأجسام ) ، كالقول فيما تقدم في إدراك السمع . وأما قوله : ( وكل ظاهر غيره غير باطن ، وكل باطن غيره غير ظاهر ) فحق ، لان كل ظاهر غيره على التفسير الأول فليس بباطن كالشمس والقمر وغيرهما من الألوان الظاهرة ، فإنها ليست إنما تدرك بالقوة العقلية ، بل بالحواس الظاهرة ، وأما هو سبحانه فإنه أظهر وجودا من الشمس ، لكن ذلك الظهور لم يمكن إدراكه بالقوى الحاسة الظاهرة ، بل بأمر آخر ، إما خفى في باطن هذا الجسد ، أو مفارق ليس في الجسد ولا في جهة أخرى غير جهة الجسد . وأما على التفسير الثاني ، فلان كل ملك ظاهر على رعيته أو على خصومه وقاهر لهم ، ليس بعالم ببواطنهم ، وليس مطلعا على سرائرهم ، والباري تعالى بخلاف ذلك ، وإذا فهمت شرح القضايا الأولى ، فهمت شرح الثانية ، وهي قوله : ( وكل باطن غيره غير ظاهر ) . [ اختلاف الأقوال في خلق العالم ] فأما قوله : ( لم يخلق ما خلقه لتشديد سلطانه ) إلى قوله : ( عباد داخرون ) ، فاعلم أن